كتبت إيمان غصين..المرأة اللبنانية الجنوبية

المرأة اللبنانية الجنوبية: حارسة الأرض والذاكرة
كتبت إيمان غصين
في جنوب لبنان، حيث تختلط رائحة التراب بالدمع، تقف المرأة كأنها شجرة زيتون لا تنكسر. ليست مجرد شاهدة على الظلم، بل حارسة للأرض، للبيت، ولذاكرة لا يسمح لها أن تُمحى مهما اشتدت الوحشية.
هي التي ودّعت ابنًا ولم تُطفئ قنديل البيت، وخسرت زوجًا ولم تسقط الراية من يدها، وتهدّم منزلها فعادت تبنيه حجرًا فوق حجر. تحمل مفاتيح البيوت التي سُويت بالأرض، كأنها تحمل الوطن كله في جيب ثوبها. في وجه الطغيان، تقف بلا درع سوى صبرها، وبلا سلاح سوى إيمانها بأن الأرض لا تُترك.
المرأة الجنوبية لم تختر أن تكون في قلب المعركة، لكن المعركة اختارتها. عاشت تحت القصف، في النزوح، في الانتظار الطويل على أبواب الملاجئ، وفي القرى التي أصبحت خطوط تماس. ومع ذلك، بقيت تزرع، تطبخ، تعلّم، وتغنّي للأطفال كي لا يسمعوا صوت الخوف. كانت تقاتل بطريقتها الخاصة: بالحياة.
هي التي تحمي الكرامة حين تُنتهك، وتصون العائلة حين تتفكك، وتبقى واقفة كأنها تقاتل العالم كله دفاعًا عن الأرض والعِرض والهوية. ليست صورة حزن فقط، بل صورة قوة هادئة، صلبة كصخور الجنوب.
في كل مرة حاول الظلم أن يكسرها، أعادت تعريف الصمود. لم يكن صمودها شعارًا، بل خبزًا تُعدّه في زمن الحصار، وماءً تُخزّنه ليكفي الجميع، ويدًا تربّت على كتف طفل فقد الأمان. كانت الوطن حين ضاق الوطن.
المرأة اللبنانية الجنوبية ليست فقط أم شهي_د أو زوجة مق_اوم أو ابنة أرض، بل هي الذاكرة التي تمنع النسيان، والنبض الذي يمنع السقوط. هي التي تقول بالفعل لا بالكلام: يمكن أن نخسر الكثير، لكننا لا نخسر أنفسنا ولا أرضنا.
في يوم المرأة، ننحني أمام هذه القامة التي تعلّم العالم معنى الصبر ومعنى الكرامة. هي ليست قصة ألم، بل قصة بقاء. ليست ضحية، بل حارسة الحياة، تقف في وجه الظلم، وتزرع في قلب الخراب وعدًا بأن الفجر سيأتي مهما طال الليل.



